الغزالي
11
إحياء علوم الدين
والحاصل أن السبع يخاف لا لجناية سبقت إليه منك ، بل لصفته ، وبطشه ، وسطوته ، وكبره ، وهيبته ، ولأنه يفعل ما يفعل ولا يبالي . فإن قتلك لم يرق قلبه ولا يتألم بقتلك ، وإن خلاك لم يخلك شفقة عليك وإبقاء على روحك ، بل أنت عنده أخس من أن يلتفت إليك حيا كنت أو ميتا . بل إهلاك ألف مثلك وإهلاك نملة عنده على وتيرة واحدة ، إذ لا يقدح ذلك في عالم سبعيته ، وما هو موصوف به من قدرته وسطوته ولله المثل الأعلى . ولكن من عرفه عرف بالمشاهدة الباطنة التي هي أقوى وأوثق وأجلى من المشاهدة الظاهرة ، أنه صادق في قوله هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي ، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي . ويكفيك من موجبات الهيبة والخوف المعرفة بالاستغناء وعدم المبالاة الطبقة الثانية من الخائفين : أن يتمثل في أنفسهم ما هو المكروه ، وذلك مثل سكرات الموت وشدته ، أو سؤال منكر ونكير ، أو عذاب القبر ، أو هول المطلع ، أو هيبة الموقف بين يدي الله تعالى والحياء من كشف الستر . والسؤال عن النقير والقطمير ، أو الخوف من الصراط وحدته وكيفية العبور عليه ، أو الخوف من النار وأغلالها وأهوالها ، أو الخوف من الحرمان عن الجنة دار النعيم والملك المقيم ، وعن نقصان الدرجات ، أو الخوف من الحجاب عن الله تعالى وكل هذه الأسباب مكروهة في نفسها ، فهي لا محالة مخوفة وتختلف أحوال الخائفين فيها وأعلاها رتبة هو خوف الفراق والحجاب عن الله تعالى ، وهو خوف العارفين . وما قبل ذلك خوف العاملين ، والصالحين ، والزاهدين ، وكافة العالمين . ومن لم تكمل معرفته ، ولم تنفتح بصيرته ، لم يشعر بلذة الوصال ، ولا بألم البعد والفراق . وإذا ذكر له أن العارف لا يخاف النار ، وإنما يخاف الحجاب ، وجد ذلك في باطنه منكرا وتعجب منه في نفسه ، وربما أنكر لذة النظر إلى وجه الله الكريم لولا منع الشرع إياه من إنكاره ، فيكون اعترافه به باللسان عن ضرورة التقليد ، وإلا فباطنه لا يصدق به لأنه لا يعرف إلا لذة البطن والفرج والعين ، بالنظر إلى الألوان والوجوه الحسان ، وبالجملة كل لذة تشاركه فيها البهائم . فأما لذة العارفين فلا يدركها غيرهم ، وتفصيل ذلك وشرحه حرام مع من ليس أهلا له ومن كان أهلا له استبصر بنفسه واستغنى عن أن يشرحه له غيره فإلى هذه الأقسام يرجع خوف الخائفين ، نسأل الله تعالى حسن التوفيق بكرمه